لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية متطورة، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة في القرن الحادي والعشرين، تمامًا كما كان النفط عنوانًا للقوة الاقتصادية في القرن الماضي. ومن هنا، فإن أي خطوة تستهدف تنظيم هذه التكنولوجيا ووضع قواعد دولية لإدارتها تستحق الاهتمام، خاصة إذا جاءت في إطار يفتح الباب أمام مشاركة أوسع للدول في رسم مستقبلها.
إعلان الصين، بمشاركة 29 دولة، تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، يمثل تطورًا مهمًا في مسار الحوكمة الدولية للتكنولوجيا. فالرسالة الأساسية التي تحملها هذه المبادرة هي أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تحدده دولة واحدة، أو عدد محدود من الشركات العملاقة، وإنما يجب أن يكون ثمرة تعاون دولي يراعي مصالح الجميع.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن السباق على الذكاء الاصطناعي لم يعد سباقًا تقنيًا فقط، بل أصبح سباقًا على النفوذ الاقتصادي والسياسي وحتى الأمني. ومن ثم، فإن إنشاء منظمة دولية تُعنى بوضع قواعد ومعايير مشتركة يعد خطوة منطقية تفرضها طبيعة المرحلة، خصوصًا مع اتساع استخدامات الذكاء الاصطناعي في مختلف مناحي الحياة.
ومن اللافت أن الوثيقة التأسيسية للمنظمة أكدت الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، واعتماد نهج يركز على الإنسان، وهي مبادئ تمنح المبادرة بعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا، وتؤكد أن التكنولوجيا يجب أن تخدم الإنسان، لا أن تتحكم فيه أو تتحول إلى وسيلة لفرض الهيمنة.
ورغم أن البعض يحاول تصوير المنظمة باعتبارها تحالفًا سياسيًا في مواجهة الولايات المتحدة، فإن القراءة الموضوعية تشير إلى أن العالم بالفعل يحتاج إلى إطار أكثر توازنًا لإدارة الذكاء الاصطناعي. فاحتكار وضع القواعد والمعايير من جانب عدد محدود من الدول أو الشركات لا يخدم الابتكار، ولا يحقق العدالة الرقمية، ولا يساعد الدول النامية على اللحاق بالثورة التكنولوجية.
كما أن انضمام دول من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية يعكس رغبة متزايدة في أن يكون للدول النامية صوت حقيقي في صياغة مستقبل التكنولوجيا، بدلاً من الاكتفاء بدور المستهلك أو المتلقي لما يقرره الآخرون.
ولا يمكن إغفال أن الصين لم تكتف بالدعوة إلى التعاون، بل تواصل الاستثمار بقوة في البحث العلمي وتطوير النماذج الذكية مفتوحة المصدر، وهو ما يعزز المنافسة ويخفض تكاليف الوصول إلى التكنولوجيا، ويفتح المجال أمام الجامعات والشركات والباحثين في مختلف أنحاء العالم للاستفادة من هذه التطورات.
إن المنافسة بين القوى الكبرى ستظل قائمة، لكنها لا ينبغي أن تمنع التعاون في القضايا التي تمس مستقبل البشرية. فالذكاء الاصطناعي يحمل فرصًا هائلة في الطب والتعليم والصناعة والزراعة والطاقة، لكنه يحمل أيضًا تحديات تتعلق بالأمن والخصوصية والأخلاقيات وسوق العمل، وهي تحديات لا تستطيع دولة واحدة مواجهتها بمفردها.
ومن هنا، فإن تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي يمكن النظر إليه باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء نظام دولي أكثر توازنًا وتعددية، يمنح جميع الدول فرصة للمشاركة في وضع قواعد الثورة التقنية المقبلة، بدلاً من أن تبقى هذه القواعد حكرًا على قلة من القوى الكبرى.
لقد دخل العالم بالفعل عصر الذكاء الاصطناعي، والسؤال لم يعد: من يملك التكنولوجيا؟ بل أصبح: من يشارك في صياغة قواعدها؟ ويبدو أن الصين، عبر هذه المبادرة، تسعى إلى أن تكون شريكًا رئيسيًا في كتابة هذه القواعد، وهو توجه يستحق التأييد طالما ظل قائمًا على التعاون، واحترام القانون الدولي، وضمان أن تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسانية جمعاء.